من الصفات الحميدة: الشجاعة

من الصفات الحميدة: الشجاعة
[right]الشجاعة عماد الفضائل، ومن فقدها لم تكمل فيه فضيلة. ويعبر عنها بالصبر وقوة النفس.وهي من مفاخر العرب التي فخرت بها في أشعارها وذكرتها في أسفارها، ومن أعظم الصفات التي يمدح بها الشعراء، وكفى بالمرء عارا أن يعير بالجبن فإنها مسبة لا تفارقه إلى آخر العمر.
قال الحكماء: وأصل الخير كله في ثبات القلب والشجاعة عند اللقاء تبرز في مواطن أوله:ا إذا التقى الجمعان ، برز من الصف ينادي: هل من مبارز. وثانيها: إذا اشتد القتال ثبت في مكانه. والثالثة: إذا انهزم أصحابه فإنه لا ينهزم. ولذلك قالوا: إن المقاتل من وراء الفارين كالمستغفر من وراء الغافلين، ومن أكرم الكرم الدفاع عن الحرم.
والناس ألف منهم كواحد … وواحد كالألف إن أمر عنى
قال خالد بن الوليد رضي الله عنه (لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه أثر طعنة أو ضربة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي لا نامت عين الجبان). وكان ينشد ويرتجز ويقول:
لا ترعبونا بالسيوف المبرقة … إن السهام بالردى مفرقة
والحرب دونها العقال مطلقة … وخالد من دينه على ثقة
وقال آخر:
وأبذل في الهيجاء وجهي وإنني … له في سرى الهيجاء غير بذول
ومن أخبار الشجعان ما حكاه الفضل بن يزيد: قال: نزل علينا بنو ثعلب في بعض السنين، وكنت مشغوفاً بأخبار العرب أن أسمعها وأجمعها، فبينما أنا أدور في بعض أحيائهم إذا أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها، وهي آخذة بيد غلام قلما رأيت مثله في حسنه وجماله، له ذؤابتان، وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب تحن إليه الأسماع وترتاح له القلوب، وأكثر ما أسمع منها أي بني، وهو يبتسم في وجهها قد غلب عليه الحياء والخجل، كأنه جارية بكر لا يرد جواباً. فاستحسنت ما رأيت، واستحليت ما سمعت، فدنوت منه وسلمت، فرد علي السلام، فوقفت أنظر إليها، فقالت: يا حضري ما حاجتك؟ فقلت: الاستكثار مما أسمع والاستمتاع بما أرى من هذا الغلام. فقالت يا حضري: إن شئت سقت إليك من خبره ما هو أحسن من منظره، فقلت: قد شئت يرحمك الله. فقالت: حملته والرزق عسر، والعيش نكد حملاً خفيفاً حتى مضت له تسعة أشهر، وشاء الله عز وجل أن أضعه، فوضعته خلقاً سوياً، فوربك ما هو إلا أن صار ثالث أبويه حتى أفضل الله عز وجل، وأعطى وأتى من الرزق بما كفى وأغنى، ثم أرضعته حولين كاملين، فلما استتم الرضاع نقلته من خرق المهد إلى فراش أبيه، فربي كأنه شبل أسد أقيه برد الشتاء، وحر الهجير، حتى إذا مضت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب، فحفظه القرآن، فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه وآبائه وأجداده، فلما أن بلغ الحلم واشتد عظمه وكمل خلقه حملته على عتاق الخيل فتفرس وتمرس ولبس السلاح ومشى بين بيوتات الحي الخيلاء، فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام، وأنا عليه وجلة أشفق عليه من العيون أن تصيبه، فاتفق أن نزلنا بمنهل من المناهل بين أحياء العرب، فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم، وشاء الله تعالى أن أصابته وعكة شغلته عن الخروج، حتى إذا أمعن القوم، ولم يبق في الحي غيره، ونحن آمنون وادعون، ما هو إلا أن أدبر الليل وأسفر الصباح حتى طلعت علينا غرر الجياد وطلائع العدو، فما هو إلا هنيهة حتى أحرزوا الأموال دون أهلها، وهو يسألني عن الصوت، وأنا أستر عنه الخبر إشفاقاً عليه وضناً به، حتى إذا علت الأصوات وبرزت المخدرات رمى دثاره وثار كما يثور الأسد، وأمر بإسراج فرسه، ولبس لأمة حربه، وأخذ رمحه بيده ولحق حماة القوم، فطعن أدناهم منه فرمى به، ولحق أبعدهم منه فقتله، فانصرفت وجوه الفرسان، فرأوه صبياً صغيراً لا مدد وراءه فحملوا عليه، فأقبل يؤم البيوت، ونحن ندعو الله عز وجل له بالسلامة، حتى إذا مدهم وراءه وامتدوا في أثره عطف عليهم، ففرق شملهم وشتت جمعهم، وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق، ومرق كما يمرق السهم، وناداهم: خلوا عن المال، فوالله لا رجعت إلا به، أو لأهلكن دونه، فانصرفت إليه الأقران، وتمايلت نحوه الفرسان، وتميزت له الفتيان، وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الأسنة، وعطفوا عليه بالأعنة، فوثب عليهم وهو يهدر كما يهدر الفحل من وراء الإبل، وجعل لا يحمل على ناحية إلا حطمها، ولا كتيبة إلا مزقها حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه، ثم ساق المال، وأقبل به، فكبر القوم عند رؤيته، وفرح الناس بسلامته، فوالله ما رأينا قط يوماً كان أسمح صباحاً وأحسن رواحاً من ذلك اليوم، ولقد سمعته يقول في وجوه فتيان الحي هذه الأبيات:
تأملن فعلي هل رأيتن مثله … إذا حشرجت نفس الجبان من الكرب
وضاقت عليه الأرض حتى كأنه … من الخوف مسلوب العزيمة والقلب
ألم أعط كلا حقه ونصيبه … من السمهري اللدن والمرهف العضب
فلله در الشجاعة ما أعظمها وما أجمل الحديث عنها.[/RIGHT]